نَبَز مصطفى
مدير مركز بحوث مبادرة الحضارة العالمية

شكّلت زيارة رئيس الصين، شي جين بينغ، إلى الولايات المتحدة الأمريكية ولقاؤه بالرئيس دونالد ترامب، منعطفاً تاريخياً في إعادة صياغة هندسة النظام الدولي. لم يكن هذا الحدث مجرد لقاء بروتوكولي، بل كان اختباراً حقيقياً لإثبات قدرة الصين على تجاوز الفرضيات الكلاسيكية لعلم العلاقات الدولية وإجبار واشنطن على التعامل مع موقع ومكانة عالمية جديدة.
كانت الزيارة وشكل البروتوكول الخاص بالاستقبال الملكي الاستثنائي لترامب (سواء كان في منتجع مارالاغو أو في البيت الأبيض) رسالةً مفادها أن أمريكا لم تعد تجلس مع الصين كطرف مهيمن، بل تعترف بالصين كقوة عظمى ندّية ومتكافئة في المكانة، والكرامة، والسيادة. وهذا يوضح أن الأسلوب التجاري والبراغماتي لترامب يمثل فرصة للابتعاد عن الاستقطابات الأيديولوجية التقليدية للغرب، ودليلاً على استعداد واشنطن للتعامل على أساس المكاسب الملموسة.
في زيارة ترامب إلى الصين في 13 من شهر مايو الماضي من هذا العام، سلّط شي جين بينغ الضوء في خطاب ألقاه أمام ترامب ووفد من كبار رجال الأعمال والدبلوماسيين على نموذج جديد في العلاقات الدولية بين واشنطن وبكين، يقوم على الاحترام المتبادل والتعاون على أساس مبدأ الربح المشترك (Win-Win Cooperation). وفي الوقت نفسه، لا يحوّل التنافس إلى صدام، بل يمكن توجيهه وإدارته عبر الحوار، فضلاً عن كونه ابتعاداً عن (فخ ثوسيديدس).
أوضحت الصين أن المعادلة الدولية ليس بالضرورة أن تكون معادلة صفرية (Zero-Sum Game)، بل إن حجم السوق والمصالح المشتركة يوفران فرصاً واسعة لكي يستفيد كلا الطرفين. وبهذا العمل، منعت الصين بمرونةٍ صياغةَ سياسة عدائية مباشرة.
إن زيارة الرئيس الصيني هذه إلى واشنطن هي إثبات لصدق خطابه عندما يُترجِم الرسالة الفكرية وخطاب التعاون المشترك (Win-Win Cooperation) والتعايش السلمي إلى أفعال، كرسالة مفادها أن نهوض الصين لا يعني فناء أمريكا.
كما طرح في هذه الزيارة الأسس النظرية لسياسته الخارجية، والمتمثلة في مفهوم النموذج الجديد للعلاقات بين الدول الكبرى والذي يرتكز على ثلاث ركائز أساسية:
أولاً: انعدام الصراع والصدام، وتقليل مخاطر الصدمات المفاجئة، والإبقاء على دبلوماسية الخط الساخن/الأحمر لإدارة الأزمات.
ثانياً: الاحترام المتبادل، والاعتراف بالأنظمة السياسية المختلفة، واحترام المصالح، ولا سيما مسألة السيادة على الأراضي الصينية وملف تايوان.
ثالثاً: التعاون القائم على مبدأ الربح المتبادل للطرفين، والابتعاد عن استراتيجية تحقيق المكاسب لطرف واحد فقط على حساب الطرف الآخر.
إن هذه الزيارات المتبادلة بين الجانبين وتأسيس قناة تواصل دبلوماسي شخصي مباشر (Personal Diplomacy) بين شي وترامب، أدت إلى تقليل سوء الفهم العسكري في المناطق الحساسة مثل بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان والمشاركة في إدارة الأزمات الإقليمية، وهذا ما جعل أمريكا مضطرة للاعتراف بأنه من أجل معالجة المشكلات الدولية (مثل البرنامج النووي لكوريا الشمالية) لا يمكنها اتخاذ أي خطوة دون دور بكين وتأثيرها. كما أن قناة التواصل هذه تعكس إعادة تنظيم التنافس من خلال التفاوض بدلاً من الصدام، والتوصل في الوقت ذاته إلى اتفاق تجاري وإثبات قدرة الصين على الصمود وفرض شروطها في المفاوضات.
كان الاستقبال المتكافئ للرئيس الصيني في واشنطن، عملياً، رسالة للعالم بأن حقبة اتخاذ القرار الأمريكي الأحادي قد انتهت، وأن العالم يخطو نحو هيكلية ثنائية القطبية - متعددة الأقطاب في سبيل تعزيز الكتل الدولية البديلة، مما يفرض على أمريكا مراجعة حقبة استراتيجيتها «أمريكا أولاً». ومن جانب آخر، تمكنت الصين من إظهار نفسها كمدافع عن النظام الدولي والانفتاح الاقتصادي، وهو ما ساهم في تعزيز مكانة التحالفات متعددة الأقطاب، مثل:
• توسيع منظمة بريكس (BRICS) كقطب اقتصادي قوي.
• تطوير منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) في المجال الأمني.
• بناء البنية التحتية العالمية عبر مبادرة (الحزام والطريق) (BRI).
• تحرير خيارات الجنوب العالمي (Global South)؛ حيث تعلمت دول الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في ظل هذا التوازن الجديد كيف تناور بين واشنطن وبكين وتنويع مصالحها.
الخاتمة:
شكّلت زيارة شي جين بينغ وطريقة تعامله مع ترامب نجاحاً تكتيكياً واستراتيجياً للدبلوماسية الصينية. فقد تمكنت الصين من منع الانفجار السريع للصراع وتأجيل أو تحييد «فخ ثوسيديدس»، وفرض خطاب «الربح المتبادل» كبديل للتوترات العسكرية على التفكير الاستراتيجي الأمريكي، ودفع واشنطن إلى الاعتراف بسلاسة بنهاية الأحادية القطبية والظهور الحتمي لنظام دولي متعدد الأقطاب.

مقالات

پەیوەندیکردن

   تەلەفۆن:  ٠٠٩٦٤٧٥٠٤٤٩٢٢٨٢

   ئەدرێس:  كوردستان - هەولێر - گەرەکی ئازادی

   ئیمێل  info@global-civilization.org