نشرت في مايو 24, 2026
د. كاوه محمود
غسّان الرفاعي، عصمت جاويد إبراهيم أدهم، المفكر والسياسي الماركسي الأممي، والقائد الشيوعي اللبناني، يُعدّ من
أبرز قادة الحزب الشيوعي اللبناني، وقد رافق القادة التاريخيين للحزب، ومنهم الشهيد فرج الله الحلو، والراحل نقولا الشاوي، والشهيد جورج حاوي، وغيرهم. توفي خلال الأسبوع الفائت، بعد أن ترك تراثاً فكرياً غنياً يحتفظ بديمومته، وقد ترك لنا منهجية واضحة سبق أن كان لها تأثير واضح في الحياة السياسية اللبنانية. ويمكن أن نرجع إلى مؤلفاته العديدة، ومنها: اليسار الحقيقي واليسار المغامر، 1970؛ حوار من أجل صياغة رؤية سياسية ماركسية، 2003؛ أزمة… متغيرات… آفاق، 2009؛ كيف السبيل؟… نحو نهضة جديدة لليسار… مناقشة أطروحات كريم مروّة النظرية والسياسية، 2011؛ ماركس: دون دوغمائية، دون تفريط، 2013؛ ماركس عن الدولة، 2017. وختم تجربته النضالية بكتابه الفريد التحولات السياسية: سبعون عاماً من أجل التغيير، بجزأيه. وهذا الكتاب ليس مجرد مذكرات نضالية فحسب، بل تجربة نضالية عميقة يركّز فيها الرفيق غسّان على منهجيته الماركسية.
أبرز قادة الحزب الشيوعي اللبناني، وقد رافق القادة التاريخيين للحزب، ومنهم الشهيد فرج الله الحلو، والراحل نقولا الشاوي، والشهيد جورج حاوي، وغيرهم. توفي خلال الأسبوع الفائت، بعد أن ترك تراثاً فكرياً غنياً يحتفظ بديمومته، وقد ترك لنا منهجية واضحة سبق أن كان لها تأثير واضح في الحياة السياسية اللبنانية. ويمكن أن نرجع إلى مؤلفاته العديدة، ومنها: اليسار الحقيقي واليسار المغامر، 1970؛ حوار من أجل صياغة رؤية سياسية ماركسية، 2003؛ أزمة… متغيرات… آفاق، 2009؛ كيف السبيل؟… نحو نهضة جديدة لليسار… مناقشة أطروحات كريم مروّة النظرية والسياسية، 2011؛ ماركس: دون دوغمائية، دون تفريط، 2013؛ ماركس عن الدولة، 2017. وختم تجربته النضالية بكتابه الفريد التحولات السياسية: سبعون عاماً من أجل التغيير، بجزأيه. وهذا الكتاب ليس مجرد مذكرات نضالية فحسب، بل تجربة نضالية عميقة يركّز فيها الرفيق غسّان على منهجيته الماركسية.يتمتع غسّان الرفاعي بمعرفة موسوعية في مجال الماركسية، وقد استمد هذه المنهجية من مصدرين أساسيين: الأول، الاطلاع العميق والدراسة المعمقة والشاملة للماركسية من مصادرها الأساسية؛ أما المصدر الثاني فهو التجربة النضالية، أي ربط النظرية بالممارسة العملية، والقراءة المتجددة للواقع بكل متغيراته وتناقضاته وصراعاته، سواء على الصعيد الوطني اللبناني أو على الصعيدين الإقليمي والعالمي. ووفق هذين المصدرين في فكر غسّان الرفاعي، يمكن الحديث عن منهجيته وتجليات هذه المنهجية في مواقفه السياسية ونظرته إلى التجديد.
وفي إطار هذا الموضوع أود الإشارة إلى ما يلي:
1ـ التمسك الواضح بمنهجيته الماركسية. لقد تبنّى غسّان الماركسية كرؤية فلسفية عامة في فهم الكون، الطبيعة، والتاريخ، المجتمع، والفكر الإنساني، قائمة على النظرة المادية المنسجمة وقوانين الديالكتيك الموضوعي التي تعكس الحركة الداخلية للكون والتاريخ والفكر. وفي مجال قراءته للأحداث الكبيرة، ومنها تفكك الاتحاد السوفيتي، وفي معرض مناقشته لكريم مروّة، لم يتعامل غسّان مع الفلسفة الماركسية «بطريقة تبسيطية كما لو أنها تعبيرات عابرة عن نزوات فكرية ولّدها التأمل الذاتي». لذا أشار إلى أن الانهيار، ويقصد الاتحاد السوفيتي، لا يصلح ولا يجوز أن يؤخذ مؤشراً ودليلاً على سقوط الماركسية! ذلك أن الماركسية لم تقم ولم تؤسَّس على أساس التجربة السوفيتية وحدها، فمن يريد أن يسقط الماركسية عليه أن يسعى إلى تفنيد النظريات التي صاغها ماركس عن قانون تطور المجتمع البشري.
غسّان الرفاعي، التحولات السياسية، الجزء الثاني، ص 47.
2ـ اتسم غسّان في مجمل كتاباته بالنظرة النقدية، واعتقد أن جوهر الماركسية يكمن في كونها نظرية نقدية. وكانت هذه النظرة النقدية هي التي أهّلت غسّان للولوج في مسار المراجعة والتقييم، أساساً في عمله الحزبي ومواقفه من قضايا أساسية تتعلق بطبيعة الحزب الثوري والعمل الجماهيري والتحالفات السياسية.
3ـ ضمن هذه النظرة النقدية في المراجعة والتقييم، نرى أن غسّان يطرح فكرة توطين اليسار، وإن لم يستخدم هذا المصطلح، ليس بالمعنى المفترض بأن اليسار لم يكن وطنياً، بل من خلال التركيز على القضية الوطنية اللبنانية واستعادة السيادة وبناء الدولة عبر المؤسسات، وإعادة الاعتبار للعامل الوطني اللبناني كمدخل لحل الأزمة اللبنانية.
ومن هذا المنطلق طرح برنامجاً جوهره: الإقدام على تسوية تاريخية تستجيب لمصالح الوطن العليا، والتمسك باتفاق الطائف على الرغم مما يشوبه من نواقص، وتبنّي التطبيق الكامل والناجز لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، وإعادة القرار السياسي إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها، والتمسك بالسلم الأهلي وبالحوار الديمقراطي وسيلة وحيدة للصراع بين اللبنانيين، ومعالجة تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المثقلة لكاهل المواطنين.
المصدر السابق، ص 49
وإذا رجعنا إلى تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني، تتجلى الوجهة الوطنية لغسّان في مسألة استقلالية الحزب الشيوعي اللبناني عن الحزب الشيوعي السوري، ودفاعه المستميت عن هذا الموضوع.
4ـ خلال خلافاته مع التوجهات السياسية للحزب الشيوعي اللبناني، استمر غسّان في التأكيد أن وحدة الحزب الشيوعي شرط أساسي لتفعيل العامل الوطني في حل الأزمة اللبنانية. ورأى غسّان أن الحوار الداخلي الحزبي، وإلغاء قرارات الفصل والإبعاد، هو الطريق الأساسي لإعادة لحمة الحزب.
5ـ تبنّى غسّان وجهة مرنة في قضية التحالفات، مبنية على إقامة تحالفات حول قضية محددة أو معينة، وعدم التركيز فقط على تحالفات سياسية أو تاريخية حسب النماذج القديمة في العمل العلاقاتي. وقد أشار إلى أن «المهام الكبرى التي يواجهها لبنان على الصعد كافة، على المستوى المباشر والمستوى الاستراتيجي معاً، تتصدى لها عدة قوى سياسية، كل منها حسب رؤيتها وحسب مصالحها التي تعكسها برامجها. وتتقاطع طروحات كثير منها في القضايا الوطنية والديمقراطية العامة مع طروحات حزبنا على المستوى المرحلي والتكتيكي المباشر… هذا التلاقي مهما كانت درجته ينبغي الإفادة منه كأرضية صالحة لإقامة التعاون والعمل المشترك في أطر عملية تتناسب مع طبيعة القضية أو القضايا موضوع التنسيق».
المصدر نفسه، ص 277.
6ـ تبنّى غسّان وجهة أممية واضحة في مجال التعامل مع مسألة القوميات في البلدان العربية. لقد أشار في كتاباته إلى الأقباط في مصر، والمسيحيين في السودان، والكرد في العراق. وأود أن أشير هنا إلى قضية الأمازيغ والكرد في سوريا أيضاً. فهذه العناوين هي قضايا تتعلق بحقوق شعوب ومكونات تعرضت للتهميش والقمع المستمرين من الأمة السائدة.
يرى غسّان أن على الحزب الشيوعي أن «يقدم وصفة لحلها على أسس ديمقراطية تخدم مسيرة التطور السياسي التقدمي للبلد المعني عامة، لا أن تكون مادة للشكوى واتهام هذه الأقليات».
المصدر نفسه، ص 207.

تعامل غسّان بمسؤولية كبيرة مع القضية الكردية في إقليم كردستان، وارتبط بوشائج نضالية وعلاقات مؤثرة مع قادة الحركة الكردستانية. وقد زار إقليم كردستان أكثر من مرة، وخاصة بعد انتفاضة آذار 1991، وتدخل بشكل إيجابي في جهود الوساطة في النزاعات السياسية التي قامت خلال السنوات السابقة في الإقليم. وكانت محاولاته وتدخلاته الإيجابية محط استقبال وترحيب من قبل الأوساط الكردستانية وقادة الأحزاب السياسية.
7ـ إضافة إلى الجوانب السياسية، يُعتبر غسّان مفكراً ماركسياً بارزاً. لقد كتب بشكل منهجي واضح حول مفهوم ماركس للدولة، آخذاً بنظر الاعتبار طبيعة الدول في المنطقة. وكتب بعمق عن العولمة وأزمة مجتمعات المنطقة التي لم تشهد الحداثة في التعامل مع قضية العولمة.
لقد شهد غسّان ما جرى للسرديات الكبرى التي أنتجتها التناقضات والصراعات في السياق التاريخي للقرن العشرين، غير أنه بحث في سرديات كبرى جديدة لا تؤمن بنهاية التاريخ. بحث في تجديد سرديات وطنية على أسس واقعية ملموسة، حتى لا تكون الماركسية مجرد توهيمات أو افتراضات. وانطلق من وطنيته ودراسة واقع المجتمع الذي يعيش فيه بكل تجلياته، إلى التناقضات والمستجدات في المنطقة والعالم، للمساهمة في سرديات كبرى جديدة، استمر في غور أعماقها من خلال دراسة علاقات الإنتاج الجديدة ومتابعته لمسألة الذكاء الاصطناعي، متمسكاً بمنهجيته الماركسية الخلّاقة والمتجددة.
رحل غسّان تاركاً رفاقه الذين يتذكرون نضالاته الشاقة في العمل السري، ومواجهته للدكتاتورية والقمع، وحرصه على إقامة مجتمع العدالة والاشتراكية.












