
بقلم: نبز مصطفى
مدير مركز أبحاث مبادرة الحضارة العالمية
تُعدّ هذه المبادرة خطوة رسمية من قِبل الحكومة الصينية لإعادة تنظيم سوق العمل ومواءمته مع ثورة الذكاء الاصطناعي (AI) والتكنولوجيات الحديثة.
في النظام السياسي الصيني، لا ينفصل أي قرار اقتصادي أو تكنولوجي عن الأيديولوجيا والاستراتيجية العليا للدولة. كما أن الاستقرار، في فلسفة الحكم لدى الحزب الشيوعي الصيني، خط أحمر. فالبطالة وفقدان الوظائف الجماعي الناجم عن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤديا إلى حالة من الاستياء، لا سيما بين فئة الشباب وخريجي الجامعات. لذا، تعمل هذه المبادرة كدرع وقائي لمنع حدوث أي اضطرابات اجتماعية.
إن الشرعية السياسية للسلطة في الصين مرتبطة بعقد اجتماعي تقدم بموجبه السلطة حياة كريمة (مرفهة)، وفرص عمل، ونمواً اقتصادياً كحق، وفي المقابل يلتزم المواطنون بالنظام السياسي كواجب. وفي الوقت نفسه، فإن حماية فرص العمل في عصر الذكاء الاصطناعي تصون هذه الشرعية.

تسعى الصين إلى أن تكون رائدة في سباق التكنولوجيا العالمي. ومن هنا، فإن هدفها من خلال هذه المبادرة هو تهيئة بيئة صحية، وتهدف إلى دمج التكنولوجيا بشكل أسرع في كافة مفاصل الإنتاج دون إحداث فوضى. وفي الوقت عينه، تحمل المبادرة رسالة سياسية إلى الخارج مفادها أنه في حين تقوم الشركات العملاقة في الدول الرأسمالية بتسريح العمال دون خطط وتخلق حالة من عدم المساواة، فإن الدولة الصينية قادرة من خلال التخطيط المركزي على توجيه مسار التكنولوجيا والحفاظ على التوازن.
هذا المفهوم الذي طرحه السيد شي جين بينغ يحمل بُعداً ماركسياً جديداً؛ بمعنى أن التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي يجب أن يصبحا القوة الرئيسية للنمو الاقتصادي، ولكن في الوقت نفسه يجب موازنتهما مع العلاقات الاجتماعية لا أن يؤديا إلى تهميش الإنسان.
بمعنى أنه في النظرية الرسمية للحزب الشيوعي (فكر شي جين بينغ)، يتمثل الهدف النهائي للاشتراكية في خدمة الشعب. ومن هذا المنظور، فإن التكنولوجيا وسيلة وليست غاية؛ ولا ينبغي أن تؤدي إلى تهميش الإنسان، بل يجب أن تكون في خدمة رفع جودة الحياة وكرامة العمل البشري، ولهذا تم التأكيد في النص على "التطوير المسؤول للتكنولوجيا".
يتمثل أحد أهم الركائز الأيديولوجية للصين الحالية في منع تكديس الثروة الرقمية في أيدي قلة من الأثرياء أو الشركات الكبرى فقط. وتسعى المبادرة إلى توزيع مكتسبات الذكاء الاصطناعي على كافة شرائح المجتمع من خلال فرص العمل والمهن الجديدة.
وفي الوقت ذاته، يُعدّ "العمل" في الأيديولوجيا الاشتراكية المصدر الأساسي لقيمة الإنسان وهويته. وعندما تسعى الدولة إلى إدخال مهن جديدة وإضفاء الطابع الرسمي عليها، فإنها ترغب في حماية المكانة الاجتماعية للطبقة العاملة في ظل عصر الاقتصاد الجديد، والحيلولة دون تحول الإنسان إلى مجرد تابع لا قيمة له للآلات والخوارزميات.
تمثل هذه المبادرة في جوهرها مسعىً مخططاً له من قِبل الحزب الشيوعي لإثبات أنه في نموذج "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، لا تسمح الدولة للسوق الرأسمالية والتكنولوجيا بتحديد مصير الإنسان وفق أهوائهما، بل تُسخّر الدولةُ بنفسها التكنولوجيا لخدمة الاستقرار السياسي والعدالة الاجتماعية.



























