د. كاوە محمود
يشهد العالم تغييرات غير مسبوقة ونزاعات وحروب وصراعات دامية مقترنا بتصرفات احادية واستمرار لسياسة التنمر واستخدام القوة ضمن المفهوم الصفري في العلاقات الدولية. وقد انعكس هذه التوجهات في تصرفات الولايات المتحدة الامريكية ضد
فنزويلا والمطالبة بكرينلاد، وعجز المجتمع الدولي من اطفاء بؤر التوتر والحروب في أجزاء عديدة من المعمورة، منها جنوب لبنان والنزاع الفلسطيني الاسرائيلي والحرب الأخيرة الدائرة بين ايران من جهة والولايات المتحدة الامريكية واسرائيل من الجهة الأخرى، والتي تهدد منطقة الشرق الأوسط وشعوبها بشكل عام، ومنها دول الخليج، اضافة الى تداعياتها الكارثية على الاقتصاد العالمي كون هذه المنطقة مصدراً اساسياً للطاقة في العالم.
تلقي استراتيجية الامن القومي الأمريكي لعام 2026 بظلالها القاتمة على الأوضاع العالمية، وخاصة الوضع في الشرق الأوسط، فالهدف الاساسي للولايات المتحدة الامريكية حماية مصالحها الحيوية التي تتطلب استخدام القوة المسلحة لضمان بقاء الشرق الأوسط منطقة نفوذ استراتيجية ضمن الخطوط العامة والمبادئ الاساسية لاستراتيجة الأمن القومي المبني على اعتبار الولايات المتحدة الامريكية القطب الاساسي والمتحكم بالسياسة العالمية، وتجسيد هذه الوجهة عبراحتكار القرارات الدولية والتصرف خارج اطار الأمم المتحدة ضمن وجهة التخلي والانسحاب من الوكالات والمؤسسات الخاصة للأمم المتحدة، ومنها ما يتعلق بحقوق الأنسان واليونسكو والبيبئة والصحة العالمية وغيرها من المنظمات الدولية.
لقد ادت هذه الوجهة التي تزامنت مع سياسة الحمائية وشن الحروب الاقتصادية الى زيادة وتفاقم التوترات الدولية، واضعاف كل ما يتعلق بالمبادرات الدولية التي تسعى الى ايجاد حلول توافقية للمشاكل والعراقيل التي تهدد الأمن الدولي والسلام العالمي والتنمية المستدامة.
وفي مقابل هذه السياسة الامريكية التي تعتمد على تفوق حضارة معينة وفرض نمط محدد لمستقبل الشعوب وتطلعاتها في العيش المشترك وتحقيق التنمية المشتركة، والتي أدت الى تفاقم المشاكل التي تواجه البشرية في كافة المجالات، حققت الدبلوماسية الصينية نجاحات كبيرة بفضل المبادرات الاساسية التي أعلنها الرئيس شي جين بينغ حول الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة العالمية، التي شخصت بعمق المستجدات في الوضع الدولي، وحددت العراقيل وصاغت المبادئ الاساسية برؤية عالمية واسعة، استناداً على تنوع الحضارات العالمية وتفاعلها التاريخي والمهام الاساسية لحفظ السلم العالمي والأمن المشترك وتحقيق التنمية العالمية، وقد أتت تلك المبادرة في ظل تحديات كبيرة وعجز واضح في حل المشاكل العالمية، لذا تشكل عموداً فقرياً لا يمكن الاستغناء عنه لمواجهة الاضطرابات العالمية.
لقد وجدت مبادرة الحوكمة العالمية تجاوباً عالمياً واسعاً لطابعها العملي والعلمي معاً، وتكمن قوتها في المفاهيم الخمسة التي أكدت عليها، وهي المساواة في السيادة وسيادة القانون وتعددية الأطراف وووضع الانسان في المقام اللأول والتركيز على العمل.
تعيد مبادرة الحوكمة العالمية الثقة بامكانية المجتمع الدولي في تشخيص المشاكل وحل الاضطرابات عبر اعادة حوكمة النظام الدولي واصلاح الاجهزة الدولية، وعلى رأسها حوكمة منظمة الأمم المتحدة وايلاء الاهتمام بمصائر الشعوب والتوجه من الخطابات الى أعمال محددة منتجة، وخاصة ما يتعلق باستكمال منظومة الحوكمة باتجاه أكثر عدلاً وانصافاً، والتمثيل العادل لدول الجنوب والتعبير عن مصالح الدول النامية عبر تعددية الأطراف باعتبارها المجال الآمن لضمان التشاركية.
وأرى ان أسس مبادرة الحوكمة العالمية تمثل خطوطاً أساسية للتعامل مع الحرب الدائرة الآن في منطقة الشرق الأوسط وأطرافها المتمثلة في ايران والولايات المتحدة الامريكة واسرائيل للحيلولة دون انتشارها وتفاقم آثارها على الأمن والسلم والاقتصاد العالمي، تمهيداً لحل القضية الفلسطنية وحل كافة الاشكاليات المتعلقة بالازمة البنيوية للدول في تلك المنطقة.
ان احترام السيادة كما ورد في مبادرة الحوكمة العالمية تعتبر حجر الزاوية في النظام الدولي، اقترانا بالامتناع عن استخدام القوة وتجاوز شريعة الغاب في الأوضاع الداخلية والدولية، وحل القضايا الساخنة سياسياً عبر الحوار الهادف لتغليب السلام وتحقيق الأمن المشترك، وافساح المجال لشعوب الشرق الأوسط لتقرر مصيرها بنفسها لبناء مجتمع المصير المشترك للشرق الأوسط.










