د. كاوه محمود

 تُعدّ سياسة القضاء على الفقر أحد أبعاد سياسة الإصلاح والانفتاح في الصين. وقد شهدت هذه السياسة تحولاً جذرياً منذ المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني عام ٢٠١٢، حيث بدأت سياسة شاملة كانت محصلتها إنقاذ ملايين الأشخاص من براثن الفقر، ووصلت مساهمة الصين في القضاء على الفقر في العالم إلى ٣٠٪، وهي نسبة عالية تُعدّ إنجازاً تاريخياً للبشرية المعاصرة، وتعكس طاقة النظام الاشتراكي وقدرته على إحداث تغيير اجتماعي، وقد أشارت الأمم المتحدة إلى هذا الإنجاز.
لقد نجحت الصين في القضاء على الفقر المدقع قبل الموعد المحدد في أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030، ولا تعد هذا النجاح نتيجة برنامج اجتماعي منفصل، بل كان ثمرة ربط عضوي بين استراتيجية التنمية، والتحديث الاشتراكي، وبناء الدولة، وقيادة الحزب الشيوعي الصيني.
أشار شي حين بينغ في التقرير المقدم الى المؤتمر العشرين في 22 أكتوبر عام 2022 الى نجاح الحزب الشيوعي الصيني في  اتخاذ تدابير هادفة ومحكمة لمساعدة الفقراء واستخدام القوة الرئيسية في المعركة والانتصار في كسب أكبر معركة حجما للقضاء على الفقر في تاريخ البشرية. ويشير التقرير: "أُزيلت وصمة الفقر عن كل المحافظات الفقيرة بالبلاد البالغ عددها 832 محافظة، واُنتشل حوالي 100 مليون مواطن ريفي من الفقر، وأُعيد توطين أكثر من 9,6 مليون فقير في أماكن جديدة، وحُلت مشكلة الفقر المطلق بصورة تاريخية، مما قدم إسهامات كبيرة في سبيل القضية العالمية لخفض حدة الفقر.
أخرجت نحو 100 مليون من سكان الريف من الفقر المدقع وفق المعيار الوطني.
رفعت جميع المحافظات الفقيرة المسجلة من قائمة الفقر.
أنجزت الهدف قبل عشرة أعوام من موعد أجندة الأمم المتحدة 2030.
وكان ذلك يمثل أحد الأهداف التاريخية لبناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل".
تمثل قضية القضاء على الفقر أهمية خاصة،  ومكانة هامة في ذاكرة شي جين وفي فكره السياسي، لذا نرى في احدى خطبه في 15 نوفمبر عام 2023، يقول:" عندما كنت أقل من 16 سنة، عشت وعملت مع الفلاحين في قرية صغيرة في شمال شنشي، فأنا أدرك جيداً ما يثير قلق الشعب وما يأمل فيه. ولقد انقضى نصف قرن على تلك الايام. ووجودي بين ابناء الشعب يجعلني أشعر بالارتياح، وتواجدي معهم يمنحني القوة. نكران الذات لعدم تخييب آمال الشعب، هذا هو معتقدي طيلة حياتي. عندما توليت منصب الامين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومنصب رئيس جمهورية الصين الشعبية لأول مرة، كان لا يزال هنام مئة مليون شخص في الصين يعيشون تحت خط الفقر الذي حددته الامم المتحدة. وبعد ثمان سنوات من النضال  والعمل الشاق تخلص هؤلاء الفقراء جميعاً من براثن الفقر... وقد ضحًّى أكثر من 1800 عضو في الحزب الشيوعي الصيني بحياتهم من أجل حل المشاكل المستعصية لتخفيف الفقر". 
عند التعمق في فكر شي جين بينغ، نتلمس العلاقة الديالكتيكية والترابط بين التحديث والتنمية عالية الجودة والقضاء على الفقر والرخاء المشترك والعيش الرغيد، والاستقرار السياسي والاجتماعي ودور الحزب والدولة في تحقيق ذلك.
في هذا الصدد، ولضمان نجاح سياسة القضاء على الفقر، طرح شي جين بينغ، الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، ستّ محاور رئيسية مترابطة، تشمل: تفاصيل تحديد أوضاع المحتاجين، وتفاصيل إعداد المشاريع وعرضها، وتفاصيل تخصيص الميزانية والتمويل اللازمين لهذه المشاريع، وتفاصيل تنفيذ خطوات العمل في هذا المجال، وتفاصيل إرسال الموظفين إلى قرى المحتاجين، وتفاصيل تقييم نتائج وتداعيات تنفيذ سياسات القضاء على الفقر.
ولم تقتصر هذه السياسة على تقديم المساعدات وتخصيص الأموال والغذاء فحسب، بل لخلق فرص العمل، ومكافحة الأمية، وتنمية القدرات البشرية، وبناء المشاريع الإنتاجية والخدمية في المناطق الريفية، والاهتمام بالزراعة والصحة العامة.
مثلت المحاور الستة الرئيسية لتوجهات شي جين بينغ أساساً فكرياَ شاملاً مبنياً على دراسة الواقع العملي، وربط هذه التوجهات بالتطبيق الملموس في نجاح سياسة القضاء على الفقر في الصين.
وقد انعكست تلك المحاور في التطبيق والممارسة العملية في النقاط التالية:
1ـ أشراف الحزب مباشرة على قيادة وتنفيذ استراتيجية الحد من الفقر. فمنذ المؤتمر الثامن عشر للحزب، أصبح القضاء على الفقر "المهمة الأولى" لإنجاز بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل . وجرى وضع أهداف محددة لكل محافظة وقرية وأسرة، مع نظام صارم للمساءلة والتقييم.
لذا كان مهمة الحزب ومسؤوليته هو العمل لتحسين الظروف المعيشية للشعب عموماً.
2ـ ربط قضية القضاء على الفقر بمهمة التحديث الاشتراكي الذي يجب أن يشمل الجميع، ولهذا أصبح الهدف هو تحقيق: التنمية المتوازنة للبلاد التنمية الاقليمية والعدالة في الفرص، وتقليص الفجوة بين الريف والمدينة.
3ـ في البداية، جرت الاجابة على عدة تساؤلات حول: من هم الفقراء المحتاجون؟ ومن هم المستحقون للمساعدة وما هو سبب الفقر؟ وما نوع المساعدة بما يضمن انتشالهم من براثن الفقر؟
لذلك اختلفت الحلول بين المناطق الزراعية والجبلية والقومية والحدودية.
4ـ ربط سياسة القضاء على الفقر بالتنمية المستدامة، حيث حققت الصين نمواً مرتفعاً لعقود طويلة، مما وفَّر فرص عمل واسعة ورفع دخول مئات الملايين من السكان، وانعكس ذلك في مجال التنمية الريفية.
5ـ دمج المناطق الفقيرة في الاقتصاد الوطني وتحقيق النجاح في التنمية الريفية عبر التوجه نحو الاستثمار في  في مجالات الطرق، الكهرباء، الإنترنت، المدارس، المستشفيات، مياه الشرب.
6ـ الاستثمار في رأس المال البشري في مجالات التعليم، والتدريب المهني، والرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي، والتنمية الصناعية المحلية، وعدم الاكتفاء بالمساعدات النقدية، بل التوجه لانشاء صناعات ومشروعات صغيرة ومتوسطة تناسب الموارد المحلية. 
7ـ التوجه نحو سياسة تضمن تقليل الفوارق الطبقية، عبر تحسين توزيع الدخل، وتوسيع الطبقة الوسطى، ومنع تركّز الثروة بصورة مفرطة.
8ـ العمل من أجل عدم العودة إلى الوراء والحفاظ على المكتسبات في مجال القضاء على الفقر، من خلال وضع الحكومة لآليات طويلة الأجل لمراقبة الأسر المعرضة للعودة إلى الفقر والتدخل المبكر، عبر تنفيذ استراتيجية الإنعاش الريفي، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي، والاستثمار المستمر في البنية التحتية الريفية، وتحسين التعليم والرعاية الصحية في المناطق الريفية، وتنمية الصناعات المحلية والاقتصاد الرقمي.
 وأخيراً يجب أن نتسائل لماذا تمكنت الصين من القضاء على الفقر المدقع؟
لقد قدمت الصين تجربة غنية للعالم مفادها امكانية البشرية من تحقيق فرصة القضاء على الفقر، وان بأمكان الاشتراكية عبر سياسات تؤكد على التحديث والتنمية الاقتصادية، والتخطيط طويل الأجل، والاستثمار في الإنسان، والتنمية الريفية، والحوكمة الفعالة، من تحقيق انجاز تاريخي فريد في تاريخ البشرية. 

 

پەیوەندیکردن

   تەلەفۆن:  ٠٠٩٦٤٧٥٠٤٤٩٢٢٨٢

   ئەدرێس:  كوردستان - هەولێر - گەرەکی ئازادی

   ئیمێل  info@global-civilization.org