د. كاوە محمود

يشهد العالم المعاصر تحديات نوعية في مجالات الأمن والتنمية والاستقرار الاقتصادي والاستدامة الجماعية، تتزامن مع استمرار النزعات والسياسات المبنية على التنمر والتهديد باستخدام القوة في العلاقات الدولية واستمرار الحروب والنزاعات، التي تتطلب ممارسة وجهة جديدة مبنية على الحوكمة الدولية واصلاح النظام الدولي المعاصر.
وفي ظل هذه اللوحة الشائكة المتسمة بالتعقيدات والتحديات، تأتي المسألة الايكولوجية بشكل عام، وما تواجهها من مخاطر جدية، من المسائل الملحة المرتبطة بما يجري بالعالم مما يتطلب مراجعة جدية تفرض بناء الحضارة الايكولوجية، واتخاذ الحوكمة الأيكولوجية مكملاً للحوكمة العالمية، وشرطاً أساسياً لفهم جديد معاصر للحضارة العالمية بشكل شامل، وتركز وتأخذ في هذا المجال، بنظر الاعتبار بشكل مباشر علاقة الانسان بالطبيعة.
تتجلى منهجية شي جين بينغ في مبادرة الحوكمة العالمية بانها لم تعد خياراً سياسياً أو بيئياً فحسب، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تتطلب مبادرة دولية مبنية على معالجة الحوكمة الإيكولوجية من زاوية أوسع من المقاربة البيئية التقليدية، من خلال الربط بين المستوى النظري المتعلق بتطور مفهوم الحوكمة الإيكولوجية في الفكر السياسي والبيئي، وعلاقته بالتنمية المستدامة، والاقتصاد الأخضر، والعدالة البيئية، وبين ما جرى من خطوات في المستوى الدولي، فيما يتعلق بدور الأمم المتحدة، واتفاق باريس للمناخ، وأهداف التنمية المستدامة (SDGs)، ومؤتمر الأطراف (COP)، وكيف أصبحت البيئة جزءاً من الحوكمة العالمية. 
وفيما يخص المستوى النظري طرح الرئيس الصيني خلال السنوات الماضية أفكار أساسية حول بناء الحضارة الايكولوجية كمشروع حيوي طويل يهم التنمية المستدامة انطلاقاً من التعايش المتناغم بين الانسان والطبيعة.
وعلى العموم يشهد بناء الحضارة الايكولوجية بشكل منهجي في الصين تغييرات تاريخية وتحويلية وشاملة نظرياً وعملياً، وهي تجربة غنية جديرة بالدراسة والاستفادة منها.
في المؤتمر الوطني لحماية البيئة الايكولوجية الذي عقد في 18 مايو 2018، ألقى الأمين العام شي جين بينغ خطابا مهما، أجاب بعمق على الأسئلة النظرية والعملية الرئيسية مثل "لماذا نبني الحضارة الإيكولوجية، وأي نوع من الحضارة الإيكولوجية يجب بناءها، وكيفية بناء الحضارة الإيكولوجية"، وأسس رسمياً فكر شي جين بينغ حول الحضارة الإيكولوجية، وجرى توفر إرشادات توجيهية وضوابط أساسية يجب إتباعها لتعزيز بناء الصين الجميلة وتحقيق تحديثات تتسم بالتعايش المنسجم بين الإنسان والطبيعة.
يعتمد شي جين بينغ في صياغته لمفهوم بناء الحضارة الايكولوجية والحوكمة الايكولوجية على المنهجية الماركسية، مشيراً الى مقولة فردريك انجلز " علينا ألا نغالي في تقدير انتصاراتنا على الطبيعة، فهي تنتقم منا عن كل انتصار نحرزه".
كتب انجلز عام 1876: يقيناً أن كل انتصار ينطوي بالدرجة الأولى على النتائج التي توقعناها، ولكنه ينطوي أيضاً بالدرجة الثانية والثالثة على مفاعيل مختلفة تماماً، غير متوقعة، تقضي في كثير من الأحيان على أهمية هذه النتائج الأولى. فإن الناس الذين استأصلوا الغابات في بلاد ما بين النهرين، واليونان، وآسياً الصغرى وغيرها من المناطق لكي يكسبوا أرضاً صالحة للحراثة، كانوا أبعد من أن يتوقعوا أنهم بذلك إنما يمهدون للمحل الشامل السائد حالياً قي هذه البلدان، إذ دمروا مع الغابات مراكز تجمع الرطوبة وصيانتها.
هذه المقولة الفلسفية العميقة لأنجلز التي تحمل تحمل تحذيراً واقعياً ومُستداماً حول علاقة الإنسان بالبيئة، تشكل اساساً للفهم العميق وتطويرالرؤية النظرية لشي جين بينغ حول صياغة مفهوم الحوكمة الايكولوجية، وبناء الحضارة الايكولوجية.  
فالتكلفة الخفية تكمن في ان كل انتصار نحرزه (مثل التوسع الصناعي، التطور التكنولوجي، أو استنزاف الموارد) يقابله ثمن بيئي فادح. وبالمقابل فأن رد الفعل هو انتقام الطبيعة، وهذا الانتقام ليس واعياً، بل هو استجابة حتمية لقوانين الفيزياء والبيئة (مثل تغير المناخ، الاحتباس الحراري، والتصحر).
ومن خلال هذا الادراك يشير شي جين بينغ الى الحاجة للاستدامة وضرورة إيجاد توازن دقيق؛ حيث يجب على البشر العمل مع الطبيعة وليس ضدها.
وقد أثبتت العقود الأخيرة صدق هذه العبارة بشكل قاطع؛ فالتقدم السريع الذي حققته البشرية أدى إلى عواقب وخيمة مثل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، مما يفرض علينا اليوم التوجه نحو حلول الطاقة النظيفة والتنمية المستدامة لضمان بقاء كوكبنا.
بدأ شي بصياغة مفهومه حول بناء الحضارة والحوكمة الايكولوجية بعد المؤتمر الثامن عشر للحزب. وقد نوَّه الى قضايا اساسية حول هذا المفهوم عند ترؤسه جلسة للدراسة الجماعية التاسعة والعشرين للمكتب السياسي للجنة المركزية التاسعة عشرة في 30 ابريل عام 2021.
ضمن هذه الوجهة اشار شي الى موازنة العلاقة بين الانسان والطبيعة، والحفاظ على التوازن الايكولوجي، ويرى شي بأن " حوكمة البيئة الايكولوجية هي مشروع منهجي يتطلب دراسة تكاملية للعناصر البيئية و النظام الايكولوجي واستمرارية الوحدات الجغرافية الطبيعية واستدامة التنمية الاقتصادية والاجتماعية".
 وضمن جملة  المقالات والخطب التي القاها شي جين بينغ حول هذا الموضوع يمكن استنتاج الأسس والمهام التالية التي تتضمن رؤية شي جين بينغ حول بناء الحضارة الايكولوجية والعمل من أجل الحوكمة الايكولوجية:
1ـ اعتبار بناء الحضارة الايكولوجية أحد أوجه التخطيط الخماسي العام، والالتزام بالتعايش بين الانسان والطبيعة، احدى مواد الاستراتيجية الاساسية للتمسك بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد.
2ـ الوحدة الجدلية بين حماية البيئة الايكولوجية والتنمية الاقتصادية، وربط مفهوم الحضارة الايكولوجية بمضامين الفكرة التنموية الجديدة لبناء الصين الجميلة كأحد اهداف انجاز دولة اشتراكية حديثة بحلول أواسط القرن الحالي.
أشار شي جين بينغ في التعليمات التي وجهها في 14 أغسطس2023 الى أن "بناء الحضارة الايكولوجية هو خطة أساسية كبيرة تتعلق بالتنمية المستدامة للأمة الصينية، وقضية سياسية رئيسية ترتبط برسالة الحزب وهدفه، وقضية اجتماعية رئيسية تؤثر في معيشة الشعب ورفاهيته".
وفي كلمة أخرى ألقاها شي جين بينغ في المؤتمر الوطني لحماية البيئة الايكولوجية في 17 يوليو 2023، اشار الى العلاقة بين التنمية العالية الجودة والحماية العالية المستوى باعتبارهما مشكلة عالمية وقضية دائمة تواجه تنمية المجتمع اليشري، وأن "التنمية العالية الجودة والحماية العالية المستوى متفقتان ومتكاملتان، وكل منهما يضفي على الاخر جمالآً وروعة".
3ـ العمل بنشاط في المحافل الدولية وفي عملية التفاوض بشأن تغيير المناخ والعمل من أجل الحد من انبعاثات ثاني اوكسيد الكاربون ومسألة العمل من اجل الحياد الكاربوني.
وقد اعتبر شي بأن " تحقيق الحياد الكاربوني هو قرار استراتيجي هام اتخذته اللجنة المركزية للحزب بعد تفكير عميق...وهذا  ليس طلباً طرحه آخرون علينا، بل هو ما ارتئينا فعله بأنفسنا....ولا يمكن الانتظار ولا التسرع ومن المستحيل انجاز هذه المهمة بضربة واحدة".
4ـ بذل جهود دؤوبة في تعزيز التنمية الخضراء والمنخفضة الكاربون.
5ـ بذل جهود معمقة لكسب المعركة الشرسة ضد التلوث.
أشار شي في الكلمة التي القاها في المؤتمر الوطني لحماية البيئة الايكولوجية الى كسب المعركة الحاسمة لمنع التلوث ومكافحته واعتبار" معركة حماية السماء الزرقاء من أهم المعارك ضد التلوث....ومعركة حماية المياه الصافية تهدف الى تعزيز التناغم بين الانسان والمياه... وان معركة حماية التربة النظيفة تركز على تعزيز التحطم على مخاطر التلوث".
يتطابق هذا التوجه الذي اشار اليه شي مع ما اشار اليه انجلز في عام 1876 " وعلى السفوح الجنوبية من جبال الألب لم يخطر قط ببال الجبليين الإيطاليين الذين كانوا يبيدون غابات الصنوبر، التي يحافظ عليها بفائق العناية في السفوح الشمالية، أنهم بذلك إنما كانوا يقوضون تربية المواشي في أراضيهم الجبلية العالية؛ وكانوا بالأحرى لا يتوقعون أنهم على هذا النحو إنما يحرمون ينابيعهم الجبلية من الماء طوال القسم الأكبر من السنة، وأن هذه الينابيع ستصب على السهل، في موسم الأمطار، تيارات أقوى وأصخب بسبب من قطع الأشجار".
6ـ تحسين جودة واستقرار النظم الايكولوجية للتخفيف من آثار تغيير المناخ السلبية للحفاظ على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للبيئة الايكولوجية الجديدة.
7ـ العمل بنشاط على تعزيز التنمية المستدامة عالمياً، والعمل من اجل الحوكمة البيئية العالمية عبر بناء الحزام والطريق، والالتزام بمبدأ المسؤوليات المشتركة ومبدأ الانصاف ومبدأ القدرات الوطنية، والتصدي لمحاولات بعض الدول الغربية لفرض "قواعد" على الصين بهدف التقييد.
8ـ تحسين مستوى تحديث منظومة حوكمة الدولة وقدرة حوكمتها في مجال البيئة الايكولوجية.
وفي حديث له في 22 اكتوبر 2021 بعنوان ( بذل جهود دؤوبة لضمان استفادة الامة الصينية من النهر الاصفر الى الابد)، اشار شي الى نقاط هامة تعبر عن فهمه العميق لمسالة الحوكمة البيئية، منها: التمسك بالرؤية الصحيحة للانجازات السياسية والتخطيط الموحد لقضيتي التنمية والأمن، والتأكيد على تحسين قدرة التفكير الاستراتيجي ، وتطبيق المفهوم المنهجي  على مجمل عملية الحماية الايكولوجية والتنمية عالية الجودة، والتغلب على فكرة السعي لربح فوري ونجاح سريع، والتأكيد على السير بثبات على طريق التنمية الخضراء والمنخفضة الكاربون.  
9ـ التأكيد على فهم العلاقة بين التجديد الطبيعي والاصلاح الاصطناعي. ويرى شي بأن " النظام الايكولوجي الطبيعي هو بمثاية كائن حيوي، له قوانين موضوعية خاصة بتطوره الذاتي، ومتميز بالقدرة على التنظيم الذاتي والتنقية الذاتية والتعافي الذاتي. ومن أجل اصلاح الاضرارالتي لحقت بالطبيعة على يد البشر، يجب علينا اولآ احترام الطبيعة ومسايرتها بشكل كامل، ومنحها الوقت والمجال الكافيين للتعافي".
10ـ الترابط بين بناء الحضارة الايكولوجية وتعزيز الحوكمة الايكولوجية وتحقيق التحديث الصيني الذي يركز على الالتزام بالتمحور حول الشعب وتحقيق السعادة للشعب والتوجه نحو العيش الرغيد، وتبني المفهوم القائل بأن " المياه الصافية والجبال الخضراء هي جبال من الذهب والفضة".
وبشكل عام بدأ شي جين بينغ بطرح خطوطه العامة حول مفهومه ورؤيته لبناء الحضارة الايكولوجية وتعزيز الحوكمة الايكولوجية، دون غلق البحث والتفكير العميق حول هذا الموضوع، لذا لا يزال يطرح ما هو جديد لاغناء هذا المفهوم حسب رؤيته للواقع المتغير والمهام  التي تواجه البشرية في علاقته بالطبيعة ولا بد في هذا المضمار من العمل الجماعي في مواجهة التحديات. 
هكذا يرى شي جين بينغ علاقة الانسان بالطبيعة مؤكداً على المنهجية الماركسية، مؤكداً على ما طرحه انجلز عندما كتب: "تذكرنا الوقائع لدى كل خطوة بأننا لا نسود مطلقاً على الطبيعة، كما يسود الفاتح على شعب غريب، أو كما يسود شخص كأنما هو من خارج الطبيعة، بل إنما نخصها نحن هذه الطبيعة بلحمنا، ودمنا، ودماغنا، وأننا في حضنها، وأن كل سيطرتنا عليها تقوم في كوننا، خلافاً لجميع المخلوقات الأخرى نستطيع أن نعرف قوانينها ونستطيع أن نستخدم هذه القوانين بسداد وصواب".

پەیوەندیکردن

   تەلەفۆن:  ٠٠٩٦٤٧٥٠٤٤٩٢٢٨٢

   ئەدرێس:  كوردستان - هەولێر - گەرەکی ئازادی

   ئیمێل  info@global-civilization.org